نسخ هذا الرابط وإرساله إلى أحد الأصدقاء الذين:
الرئيسية
|
شعر
|
خواطر فتاة "غفوة"
خواطر فتاة "غفوة"
بواسطة :
Unknown
ذاك المساء، وبينما هي تحمل قلمها
بين أناملها في محاولة كتابة قصيدة شعرية، تهديه إياها بمناسبة ذكرى زرع ثمرة
حبهماّ، تاهت الكلمات وتشتتت الأفكار وجف القلم، القلم الذي طالما ملأ صفحات
خواطرها في رمشة عين، جف القلم الذي اعتاد التعبير عن أحاسيس عجزت هي عن البوح بها...
جف القلم الذي كان يوصل أفكارها بكل سلاسة دون أن تتعب ذهنها بالتفكير فيما يربط
بين جملها الركيكة...
بعد شهيق وزفير.. تحدت نفسها وقررت
تجاهل غيابه عنها لمدة ادعت أنها طويلة بغية استعادة تركيزها..، وضعت القلم بأول
سطر في الصفحة فخُطت نقطة.. تأملت الصفحة هنيهة ثم وضعت نقطة أخرى.. وبالنقطة
الثالثة عجزت، علمت حينها أن لا مجال للمحاولة فقد فشلت لا محالة، وضعت القلم
بهدوء واستدارت ببطء شديد جهة المرآة لترى بعينيها الحيرة، وقليلا من التعب.. ضمت
الدفتر والقلم اليائس بين ذراعيها وقصدت سريرها وهي تترنح يمينا وشمالا كالسكارى، ظنت
أن الجلوس بمكانها المعتاد قد يلم شمل الكلمات.. وضعت رأسها على الوسادة في محاولة
تركيز وهنا كانت الصدمة...
لمن ستكتب؟ وعن أي ثمرة حب تتحدث هي؟
.. هي المجنونة التي لا تملك شيئا غير دفتر خواطر خُطت به كلمات متقاطعة لا محل
لها من الإعراب... هي البائسة التي خانتها كل صديقات عمرها وتركنها وحيدة في عالم
الضياع، هي التي عشقت القسوة الساكنة بقلبها فجعلت الجنس الخشن ينفض عنها. لمن
ستكتب وهي التي لا يسمع شكواها خلق غير خالقها؟
حاولت جاهدة تذكر ما صار معها قبل هذا
دون جدوى، كل جميل عاشته قبل فترة كان وهما من الأوهام ليس إلا..، لم تصدق ما يصير
معها، حملت هاتفها متلهفة لسماع صوته الحنون لعلها تستفيق من صدمتها وتتأكد أنها
على قيد الحياة، بحثت عن اسمه بين قائمة آخر من اتصلت بهم وبابتسامتها العريضة
المرتسمة على محياها اتصلت... "هذا الرقم غير موجود أو خارج نطاق
التغطية"... سقط الهاتف من يدها الباردة واستسلمت للأمر الواقع، شرعت
بالتفكير في حلمها الجميل الراحل، رحل دون أن يودع روحها المشتاقة، رحل دون أن
يقبل وجنتيها المحمرتين خجلا من النظر إلى عينيه، رحل دون أن يلامس اليد الباردة
المرتجفة خوفا من فراقه... قلبها النابض من أجله.
ومع أول دمعة يأس خطت أول بيت من
القصيدة "أيا سرابا أغراني لم خنت العهد" شلت يدها عن الكتابة، فمزقت
الورقة ورمت بالقلم بعيدا رافضة إتمام قصيدة لن تزيدها إلا هما وغما.
ومع بقية العبرات، صارت تصرخ بأعلى
صوتها طاردة ذكريات ذاك الوهم الذي جعلها حبيسة زنزانة عشقت جدرانها..، جليسة ظلام
أدمنت سواده، وهم زرعه بقلبها سلطان عشقته فباتت أسيرة قفص حبه، أحكم إغلاق القفص
جيدا كي لا ترحل وراح ليتم حياته بعيدا، وهو مطمئن واثق أنه عند عودته سيجد
عصفورته الباكية بانتظاره ليفك أسرها، واثق أنها وإن حطمت القفص يوما فلن تحوم
بجناحيها إلا بأرجاء قصره، يعلم أنها لن تجد لنفسها مأوى غير ذلك، يعلم أنها لن
تروي يوما ضمأها إلا من يديّ حضرته... ورغبة في اجتناب كل هذه المأساة قررت أن تضع
حدا لهذه المهزلة و...
ورن الهاتف، فأيقظ العصفورة من
غفوتها مذعورة.. حائرة بين الكابوس المرعب والخيال الجميل، عاجزة عن التفريق بين
الحلم والواقع، ومن صوت العاشق، أيقنت أن الكابوس انتهى وهو يهمس لها بصوت ذاب
قلبها من سماعه سائلا عن حال أميرته النائمة، طالبا العفو عن التأخر بالإجابة عن
رسائلها نظرا لطارئ اضطره لذلك...
وهذه المرة، بقلب لا تسع الدنيا
فرحته... بأنامل أخف من الظل... بقلم يقطر عشقا رسمت أول حرف من اسمه باليد
الباردة ونسيت أمر القصيدة البائسة، وضعت رأسها على الوسادة مستأنسة بصوته الدافئ..،
دون أن تجيب عن أسئلته، فهو من نَفَسها علم أن الساعات المعدودة التي أبعدته عنها
مرت عليها أعواما.
وعلى سبيل الفرحة، بارك لها بمناسبة
ذكراهما العظيمة، داعيا المولى أن يجمعهما تحت سقف بيت واحد في أقرب الآجال، أما
هي؟ على نبرة صوته أغمضت عينيها وغفت والابتسامة على محياها ودمعة الفرح تلمع بجفنها.